السيد عباس علي الموسوي
33
شرح نهج البلاغة
وهذا يشكل أخطر مرحلة من مراحل الإنكار . . . إن الميزان الذي يضعه الإمام لسعادة الفرد وشقائه هو هذا الميزان المأخوذ من هذه الفقرات . . . فالسعيد هو المطيع لأمر اللّه والشقي هو العاصي لذلك الأمر . ( وأن ينصر اللّه سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنه ، جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزه . وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات ، فإن النفس أمارة بالسوء ، إلا ما رحم اللّه ) هذه وصية أخرى من أغلى الوصايا وهي نصرة اللّه المتجسدة بنصرة دينه وعباده وقد اتخذت هذه النصرة أشكالا ثلاثة النصرة بالقلب المتجسدة في إنكار المنكر وعدم الرضا به ممن صدر منه أو الفرح والسرور بمن أطاع اللّه وعمل بما أمر به وهذه أقل مراتب النصرة وأيسرها وقد أفتى الفقهاء بحرمة الرضا بالحرام بل يجب على المسلم أن لا يكون راضيا بالحرام ومن هنا ورد عن أمير المؤمنين من ترك إنكار المنكر بقلبه ولسانه فهو ميت بين الأحياء ويحدث ابن أبي ليلى الفقيه قال : إني سمعت عليا عليه السلام يقول يوم لقينا أهل الشام : أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرى ء ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين . ثم النصرة باليد وهي أن يمنع من تحقيق المنكرو ويردع المرتكب للمحرمات باليد والقوة أو يساعد الناس بقوته وسلطانه على تحقيق الطاعات والقربات وهناك نموذج ثالث لنصرة اللّه وهي النصرة باللسان بتوجيه الناس نحو الخيرات والواجبات أو يردعهم عن المحرمات والممنوعات وهذه المراتب الثلاثة ليست في رتبة واحدة بل تتخذ الشكل الطولي والتسلسل التدريجي فرب إنسان يكتفي منك أن تشعره بعدم الرضا بفعله فيرتدع وربما لا يكتفي آخر بذلك فتحتاج إلى أن تضم إليه الكلام وهكذا . . . وهذه النصرة لدين اللّه وعباده متوجة بالربح على كل حال - فلا تتعرض للخسارة أبدا - لأنه متى نصر اللّه بالقلب واليد واللسان يكون قد عمل بما أمره اللّه تعالى ومتى عمل بما أمر اللّه تحقق له الفوز والسعادة لأن رضا اللّه هو الغاية وقد تحقق بامتثال ما أمر . . . ثم إن الإمام ينبه على مطلب مهم يجب أن يلتفت إليه كل إنسان ويبقى على حذر منه وهو هذه النفس التي تميل نحو الشهوات والأهواء فإنه يوصي عليه السلام أن يكسر حدتها ويكبح جماحها ويجعلها خاضعة في ميولها ومشتهياتها إلى مرضاة اللّه وأمره وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام الكثير من الحث على مراقبة النفس ومحاسبتها وردعها